منذ أيام كنت عائداً من الجامعة ، وكان عقلي -كالعادة – مشوشاً بالأفكار التي تأخذني في كل اتجاه ، وعلى مدخل بيتنا كانت هناك امرأة كبيرة ومعها أكياس وحاجيات كثيرة تسد بها مدخل البناية ،
وكانت تحاول حمل أغرضها ،عرضت عليها المساعدة ،فوافقت بامتنان ، فحملت لها الأغراض إلى الطابق الثالث ، كان الأغراض ثقيلة جداً على شاب مثلي ، فكيف على امرأة كبيرة في السن ، كنت متعجباً كيف تحمل امرأة في هذه العمر هذه الحمل الثقيل .. وما إن أوصلت لها آخر كيس إلا وأنا ألهث ونفسي مقطوع..(بس شباب بالاسم
) ، وعلى طول الدرج كنت أسمعها تدعو لي من كل قلبها بدعوات كثيرة
بعد أن أوصلت الأغراض ودخلت البيت ، كنت ألهث من التعب ، لكن كانت تغمرني سعادة كبيرة لا توصف ،وكأني قد ملكت الملايين ، ولا أبالغ إذا قلت لكم أني شعرت حينها بأن روحي قد انطلقت من مكانها تحلق في السماء ..لا أعرف تماماً مصدر هذا الشعور الذي غمرني ، فمنذ قليل فقط كنت متعباً وعقلي مشوش ، والآن أشعر بكل هذه السعادة ؟
هذه ليست أول مرة أشعر فيها بهذا الأمر ، في أكثر من مرة قدمت فيها مساعدة للآخرين ، مددت يد العون لإنسان محتاج ، حتى ولو كان عملي تافهاً صغيراً ، كنت أشعر بمثل هذه السعادة .. وأنا أتذكر وجه ذلك الإنسان وهو يبتسم شاكراً ، وكلماته وهو يدعو بصدق
بيني وبين نفسي أتساءل يا ربي ما سر هذا الشعور ، بالرغم من أني لم أقدم شيئاً ، ولم أعمل عملاً عظيماً ؟!
هل سعادتي لأني قدمت خدمة لإنسان كان في حاجة لها ؟
هل سعادتي لأني أشعر أني كبرت في عين نفسي ؟
هل فرحت لأني أشعر أن الدنيا بخير ، وأن الحياة جميلة طالما أن فيها الشاب يساعد العجوز ، والقوي يحمي الضعفاء ، والغني يعطي من ماله للفقراء ؟
لا أدري لماذا شعرت أن الله يحبنا جميعاً ، وأنه يعطينا السعادة عندما نمنحها للآخرين
يومياً تصادفنا مواقف كثيرة ، يمكننا فيها أن ندخل السعادة على قلوب الناس ، نساعدهم ، نمد لهم يد العون ، لكننا قليلاً ما نبادر (وأتحدث عن نفسي) ، لأننا ننتظر من الآخرين أن يطلبوا المساعدة ، أحياناً قد يكون الموقف بسيط جداً ، لكنه يحتاج لمبادرة
عندما أرى إنسان يقوم من مقعده في حافلة ليجلس شيخ كبير أو امرأة ، أو شاب يوقّر إنسان بسيط لا لشيء وإنما فقط لأنه كبير في السن يكبر في عيني هذا الإنسان ، وأشعر بعظمة الإنسان عندما يحمل قيم ومبادئ سامية
مرة ركبت أمامي في الباص امرأة ومعها زوجها ، زوجها كبير في السن ومريض وسمعه ضعيف ، ويبدو أن حالتهم (على قدها)، وأرادت المرأة أن تدفع للسائق فلم تجد معها سوى أجرة شخص واحد ، فبحثت في حقيبتها فلم تجد إلا بضع (آلاف) ،ويبدو أنها كانت تحمل معها مبلغ من المال لدفع فواتير أو آجار أو ماشابه ، فسألت زوجها : “أبو فلان معك شي مصاري” طبعاً زوجها لم يسمع وربما ليس معه ،فاحتارت في أمرها ، أتصرف آلف للسائق من أجل 5 ليرات (أيام ما كانت أجرة الباص5 ليرات) ، فأخرجت أنا 5 ليرات وابتسمت وقلت ” تفضلي خالة “ فخجلت فأصريت عليها فأخذتها وابتسمت وشكرتني .طبعاً الموقف كله لا يساوي شيء لكن صدقوني السعادة التي عاينتها لا تقدر بثمن .
قد تكون كلمة طيبة ، أو مبلغ قليل من المال ، أو خدمة بسيطة ، لكن قدمتها لإنسان يحتاجها ، فتكون لعملك قيمة عظيمة لا تتخيلها ، ولو شئتم فاقرؤا مقال “تسعة قروش” للشيخ الطنطاوي في كتابه صور وخواطر
ولو شعرت في لحظة بعظمة العمل الذي قدمته ، فاستشعر عظمة نعم الله عليك واعلم أنه : (إذا أراد الله إظهار نعمته عليك ، خلق الفضل ونسبه إليك ) فاحمد الله على نعمه واشكره على أن أكرمك بخدمة خلقه
اللهم ألهمنا الحكمة ووفقنا لما فيه الخير
مع محبتي