شقاوة في حارتنا

17 10 2009

ثلاثة أسابيع حتى الآن مضت من دوام الجامعة ، بالرغم من قصر هذه المدة إلا أنني أحسست بهذه الأيام ثقيلة على نفسي وكأنها شهور ..ربما هذه بقية من بقايا عقلية التلميذ في داخلي التي تأبى أن تكبر أو تتطور ، وكيف لها أن تكبر وقد نمت وترعرعت في إدراكي طيلة 15 عام ، فمنذ فتحت عيني على الحياة أعرف أن التلميذ يكره المدرسة والمدرسة تكره الطلاب ، يعني علاقة تاريخية قدم التاريخ نفسه ..وهذا العلاقة لا تتغير مهما حاولنا تغيير المسميات والصفات فسواء جعلنا الطالب تلميذاً أو دارساً أو متعلماً ، وسواء سمينا المدرسة كتّاب أو معهد أو جامعة أو أي نظام تعليمي آخر ..فستبقى هذه العلاقة محققة ويبقى الطالب طالباً والمدرسة مدرسة…إلا أنه زعموا مؤخراً  أن هناك جزيرة بعيدة على سطح الأرض فيها الطلاب يحبون مدارسهم ربما قالوا اسمها اليابان !

لكن بعيداً عن أجواء الجامعة المملة والدراسة والتعليم ونظرياته ، سوف أهرب اليوم إلى حارتنا القديمة لعلي أجد فيها بقايا روح الحرية والتغيير التي أفتقدها أو بالأحرى روح الشقاوة المفقودة .

caution kids playing

.

.

جغرافية الحارة :

عندما أتذكر أيام الحارة تتبادر إلى مخيلتي صورة ذلك المكان الواسع الرحب وكأنه ملعب تسرح فيه الخيل ، لكن في الحقيقة لم تكن حارتنا بهذه الصورة تماماً ..وإنما كانت عبارة عن شارع طويل يمتد على استقامة واحدة ليس فيه أي تعرجات ،عرضه مقدار محدد من الأمتار لا أعرف عددها ، لكن أذكر أنه كان يكفي لمرور سيارتين وربما لسيارة آخرى في حال لم نحتل جزءاً من الطريق من أجل نصب مرمى القدم ، وبالرغم من امتداد الحارة طولاً لمسافة كبيرة إلا أنني لا أذكر أي تفاصيل عن الجزء السفلي منها ، والسبب أنه لم يكن في ذلك القسم أي شخصيات صديقة مهمة بخلاف القسم العلوي..هذا مخطط بسيط يوضح أهم معالم الحارة ، كما انرسمت في ذاكرتي لا كما هي عليه الآن :

خريطة صغيرة للقسم العلوي من حارتنا

.

.

أيام الشتاء الأولى :

ما إن تبدأ معالم الصيف الجميلة بالاختفاء ، ويأتي الشتاء بكآبته وثقله ليخيم على الحارة بالهدوء والصمت المقيت ، نعلم حينها أنه قد عادت أيام المدرسة ..وكأن مصيبة قد حلت على الحارة ، تمضي ثلاثة أيام لا يخرج فيها أحد ليلعب ، ولا تسمع صوت مشاجرة ولا حتى ضحك ، ولا ترى إلا وجوهاً كئيبة تسرع الخطا إلى منازلها .

وبعد أن تمضي أيام الحداد ، نبدأ في الاعتياد والتأقلم على هذا الوضع الجديد ،ومع مرور الأيام تبدأ المياه في العودة إلى مجاريها شيئاً فشيئاً ، ويعود كل شيء إلى طبيعته باستثناء بعض التغييرات الصغيرة.

.

نشاطات يومية وموسمية :

بالرغم أن الشتاء ببرده ومطره ومناخه السيء كان يقيد حركتنا كثيراً ، لكن كان لنا مع ذلك نشاطات وألعاب موسمية تتناسب مع طبيعة المناخ وتقلباته ، بطبيعة الحال كنا نطبق قول "ستيفن كوفي" :الإنسان الفعال يحمل طقسه معه ..

وكانت ألعابنا في الحارة تتنوع تنوعاً عجيباً بحيث لا تترك مجالاً للملل أو السآمة ، وهناك ألعاب يومية لا يخلو منها نهار أو ليل وألعاب موسمية لها أوقاتها وطقوسها الخاصة، ولكل لعبة وقت لا يحلو لعبها إلا فيه ; فبعد العودة من المدرسة وتناول الغداء وقبل أن تصل أول لقمة إلى المعدة ، نكون قد خرجنا جميعاً إلى الحارة لنبدأ مباراة كرة القدم اليومية ، وقبل أن تغرب شمس النهار وتعتم علينا الدنيا نشعر أنه حان موعد لعبة "الآسييـر" ، أما في الليل حين يحل الظلام وتضعف الرؤيا فهو أنسب وقت للعب "الطامورة" ..هذه كانت ألعاب يومية نلعبها بمناسبة وبدون مناسبة ..أما الألعاب الخاصة فهي مرهونة بأوقاتها:

فأول أيام الخريف عندما تتمتلئ الحارة بأوراق الشجر ، يتفق الجميع أن هذا وقت لعب "الحضّار جزّار"  ،  و بعد دخول الشتاء بأسابيع لا تجد في الحارة صبياً إلا وفي يديه "دحاحل" يلعب بها ، وعندما يحل الصقيع وتتجمد المياه في الطرقات تحلو "الزحلطة على الجليد" ، وفي الليالي التي تموج فيها الحارة بالكبار والصغار نجتمع على لعبة "الخريطة" …وهكذا كانت تمضي سائر الأيام ، ولا نعود للبيت إلا وقد أنهكنا الجري والقفز والصياح وأكلنا نصيبنا اليومي من الوقعات والكدمات والجروح .

ألعابنا القديمة في الحارة

.

كرات الماء والنار :

تمر أحياناً أوقات هدوء وركود نشعر فيها أن عجلة الوقت قد توقفت في الحارة وأن كل شيء أصبح مملاً ، فنجلس على مصطبة "أبو ربيع" نحدق في بعضنا ونتأمل الغادي والرائح بحثاً عن مشاجرة أو حدث ما أو قصة غريبة تعيد الحياة إلى الحارة ، وفجأة تلمع فكرة في رأس "عماد" مستشار الحارة  فيصيح : (من معه نقود ؟) فنمد أيدينا إلى جيوبنا في محاولة يائسة للعثور على قطعة نقدية قد سقطت سهواً هنا أو هناك ..(أنا معي عشرة ) يصيح "حسام" وقد أمسك العشر ليرات بيده

(لكن روحوا نشتري بوالين مي) وهكذا نتجمهر جميعاً في دكانة"أبو فراس" ونخرج وفي يد كل منا بالون ، وعلى باب بيت عمي "صبحي" يقف "علاء" بحذر ليملأ لنا البوالين بالماء من منزله ويناولها لنا، باعتباره شخص لا يمكن الشك به ، ثم نصعد على سطح بنايتنا ذات الثلاث طوابق ونكمن فوق والحارة تبدو جميعها بمتناول كراتنا ونجلس بصمت نترصد المارة ونبتسم بخبث ونحن نتأمل مصير القادمين ..

.

هذه كرات الماء فما كرات النار ؟؟ ..كنا نسميها "السِيــيف" بكسر السين وبالفاء المعجمة 🙂 ،كانت حدثاً عظيماً له مناسبات خاصة وأكثر ما كنا نمارسها في ليالي العيد ; أخرج مساءً إلى الحارة فأجدها خالية تصفر فيها الريح..أين القوم ؟ يقال أنهم ذهبوا إلى  المشفى ، طبعوا لم يذهبوا لزيارة مريض أو لغرض إنساني آخر ، وإنما ذهبوا تحديداً إلى ما وراء المشفى ، حيث يوجد معمل قديم لصنع ليف الجلي المعدنية (السييف) ، خلف المعمل تلقى أكوام كبيرة من الليف التالف ، نملأ منها كيساً كبيراً ونعود إلى الحارة ونختبئ في بناية"أم صباح" الخالية لنبدأ الطقوس : يختار كل واحد قطعة سيف كبيرة ويربطها بشريط طوبار ، يغطها قليلاً بالمازوت إن توفر ، وتبدأ محاولات الإشعال.. وماهي إلا دقائق حتى تكون كرات النار جاهزة للإطلاق ، نخرج إلى الحارة صغاراً وكباراً وفي أيدينا هذه الأشياء الغريبة ونبدأ بتلويحها بقوة في سماء الحارة ..نتأمل منظر حلقات النار التي تتطاير منها ونشعر بالروعة ..فعلاً كان منظراً يثير الإعجاب!

أما السؤال الآخر : أين كانت تذهب قطع النار المتطايرة ..فلم يكن يخطر على بالنا مثل هذا السؤل ، لكن الحروق والندبات التي كانت تظهر على ثيابنا وعلى غسيل الجيران المنشور ، يمكن أن تعطينا فكرة عن الجواب .

.

البائع الجديد :

كان في حارتنا بائع ودكان واحد هو دكان"أبو فراس" الذي كان صديقنا وعدونا في الوقت نفسه ، وذات يوم افتتح دكان جديد فوق دكان "أبو فراس" بقليل ، منذ اللحظة الأولى اسميناه "الجديد" وبقي هذا الاسم ملاصقاً حتى يوم أغلاقه بعد سنتين ، في اليوم الأول كنا نحوم حول الدكان محاولين أن نعرف الفرق بينه وبين الدكان القديم الذي حفظناه عن ظهر قلب ، وبعد جولة استكشافية عدنا إلى باب "أبو فراس" وتكلم "عماد" فقال (والله الدكان الجديد عم يضارب عليك) لا أدري من أين حفظ هذا المصطلح ولا أين سمعه وأعتقد أنه لم يكن يفهم معناه لكن دافعاً شيطانياً نكشه لينقل الخبر إلى أبو فراس ، وعندما سمعها "أبو فراس" ظهر الهم على ملامحه وصار يردد بصوت حزين :الرزق على الله ..الرزق على الله ..

وبعد عدة أيام على الحادثة اكتشفنا شيئاً هاماً جداً ، وهو أن الدكان الجديد كان يصل بين حارتنا والحارة الثانية ، ويمكنني القول أن هذه الميزة كانت وبالاً على الدكان الجديد وصاحبه وربما كانت السبب في إغلاقه فيما بعد!

دعوني أوضح لكم : كانت الانتقال بين الحارات مهماً جداً لنا لأغراض كثيرة ، ولم يكن بين حارتنا والحارة الثانية أي دخلة فرعية ..لذلك كان هذا الدكان الجديد بمثابة وصلة سريعة بين الحارتين ، في بادئ الأمر كنا ندخل الدكان الجديد بأدب ووقار لنشتري شيئاً ما (بسكوتة – علكة ..)ومن ثم نعبر منه إلى الجهة الأخرى ، لكن هذا الوضع كان مكلفاً جداً بالنسبة إلينا، فاخترعنا طريقة جديدة مجانية للعبور وهي كالتالي : يدخل واحد أو اثنين إلى المحل ويسألون البائع عن منتج ما تخيلي لا يمكن أن يوجد مثله ( مثلاً هل عندك بسكوتة المقاتل الأصفر؟ ) فيجيب البائع بالنفي ، فنبتسم ونقول له :(طيب شكراً ) ونعبر للطرف الآخر بهدوء..

وأعجبتنا الطريقة فعملنا بها زمناً  ، لكن مع الوقت وجدنا أنها تستهلك وقتاً طويلاً ، وخاصة أثناء اللعب والجري وراء بعض ليس هناك وقت للوقوف والسؤال ، فصرنا أخيراً ندخل جميعاً إلى المحل بسرعة ونصيح 😦هيـــــــــيييـــــــــيــــه !!) ونعبر من طرف لآخر  ..ولكم أن تتخيلو منظر صاحب المحل الذي يقف في مكانه لا يدري ماذا يفعل!

.

.

مغامرات الحارة لا تنتهي ..استمتعت كثيراً باستعادة هذه الذكريات ، وربما أسرد لاحقاً المزيد منها ..لكن بيني وبين نفسي أتساءل : سنوات فقط تفصلنا عن هذه الذكريات .هل فعلاً كبرنا على أيام الشقاوة؟

Advertisements

إجراءات

Information

8 تعليقات

17 10 2009
SyrianGavroche

تفاصيل جميلة من ذاكرة جميلة محفورة بقوة الزمن الجميل

استمتعت بها كثيراً

تحية

19 10 2009
الباحث

مشاء الله نقليتيني من مكان لمكان تاني والله مالي علاقه بدي ارجع لسوريا اوه

20 10 2009
scribble

جميلة هي تلك الذكريات .. استمتعت وانا اقرأ
سبحان الله كل لحظة من حياتنا مانشعـر انها غاليه علينا الا عندمـا تصبح من الماضي

مدونة متميزة
اتمنى لك التوفيق والمزيد من التقدم 🙂

24 12 2009
محمد

عنجد بشكرك على هذا المقال لأنو رجعتلّي ذكريات كنت نسيتها بعجقة الدراسة والمعلومات
حسيت حالي عم اقرا كتاب من كتر ما كان سرد الكلام وصفه جميل بشكل لا يوصف .
ضل طل علينا بمقالاتك الحلوة اللي بتنسينا صخب الدنيا وأشغالها .

7 05 2010
هبة الله

أبو فراس … حارة ضيقة … شقاوة
خريطة الحارة !!!
والله كأنك مجد ابن خالي
معقووووووووووووول!!!!

بصراحة مدونة مميزة
أعجبتني
ضحكت من قلبي على الذكريات

22 05 2010
ام النور

اللله عليك ياأخي
والله ضحكتني من جوات ألبي
ذكريات رائعة ماعندنا متلها ياحسرة

مدونة راااائعة بمعنى الكلمة
عيلة مبدعين !!!!

2 08 2010
أبو شريف

الله الله يا أبو الجود
حسيت حالي عم إقرأ للشيخ الطنطاوي الله يرحمو
والله زكريات لا تنسى …
بدنا تلحقنا بتدوينة تانية الله يرضى عليك 🙂 لسا في عندك مغامرات المشمش والتوت ، ،ومغامرات الكاراتيه ، والزعبوب ، وكمان كرات الطين.. هي نسيتها ، وفي شيطنة أيام العيد …
أي أي وحادثة ربط الدقاقة هي لحالها بدها تدوينة 🙂 🙂
إيييييييييييييييييييه الله يرحم هديك الأيام

24 08 2010
heba

ههههههه شكراً
عن جد شي كتير حلو إنو الواحد يكبر وضلّ معو متل هيك ذكريات

يا ريت عنّا متلها ..

ومشان لعبة السّيف ..أنا لحدّالآن بشوف كتير ولاد عم يلعبوها
بس الحمد لله ما في من وراها لا حرق غسيل ولا شي
لأنو بيختاروا مكان بعيد عن التجمعات والناس

أما الواضح إنو انتو غير هيك أبداً…

أكرر شكري مرة أخرى …تدوينة خمس نجوووم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: