على طريق العودة

11 05 2010

في أحد العودة للمدينةشوارع المدينة التي يحبها كان يسير بقدميه على 
حجر الرصيف بينما كان فكره يحلق في فضاءات لا يعلمها أحد. لم يكن منظره مألوفاً في ذلك المساء بين تلك الجموع التي تبدو وكأنها قد خرجت إلى حفلة أو استعراض ..بل كان يوحي بأنه عائد من سفر طويل أو مغامرة بعيدة.
كان يغطي رأسه بقبعة تختفي تحت ظلها بعض ملامحه، وتنسل من تحتها خصل من شعره الأسود، أما لحيته قد طالت وتشعثت بغير انتظام وكأنها قد تُركت لتعيش على سجيتها، وبين يديه كان يمسك بقطعة من الساندوتش يلتهمها بشغف وكأنه يشعر بالهناء مع كل لقمة. أما ثيابه فقد كانت عادية لكنها كانت غريبة عن أزياء الناس من حوله.
لكن الغريب أكثر أن مظهره العجيب هذا لم يكن يغير كثيراً من سمته وطلته المميزة، على الأقل بالنسبة لشخص يعرفه مثلي ..أما الآخرون فمعظم الشك أنهم كانوا يظنون أنه متشرد!

كانوا يمرون بجانبه يرمقونه بنظرات غريبة ، يتأملون شكله وهيئته وثيابه ولحيته ..ثم يشيحون بنظرهم عنه وكأنهم رأوا ما أثار اشمئزازهم ، أما هو فلم يكن منتبهاً لهم أبداً ،فقد كان عقله في مكان آخر وجل ما بقي من تركيزه هو تلك السندويشة التي بين يديه..
وقطع عليه تفكيره وصوله إلى طريق مسدود ، فعاد من فضاءه الواسع إلى أرض واقعه، ليدقق النظر في ما يراه .. لم يكن الطريق مغلق فعلاً ، كانت هناك (شلة) فتيات في ريعان الصبا قد توقفن في منتصف الطريق يتحدثن ويضحكن..كان مظهرهن وأزيائهن وعطورهن تجتذب الناظر من بعيد ، لكن صاحبنا لم ينتبه لهن إلا عندما وقفن في وجهه وسددن عليه طريقه!

وكان هذا المنظر الفريد الذي رآه أمامه كافياً ليقطع عليه عزلته الفكرية، ويخرّب عليه صفائه، ويعيده إلى نقطة الصفر حيث تكون مشاعره نهباً لأي عارض دون أدنى وسيلة للدفاع.
وهكذا أفاق من لاوعيه ، ونظر حوله وتذكر أنه ما زال يسير في المدينة، ووجد طريقه مسدوداً ،ففكر قليلاً ثم اقترب من (قاطعات الطريق) وقال بلطف : "اعتذر على قطع سمركم ، لكنكم تسدون الطريق".
وعندما انتبهن لكلامه ، قالت واحدة منهن : عفواً . ثم ابتعدت قليلاً وأفسحت له المجال ليمر، ثم عدن إلى حديثهن بمزيد من اللامبالاة.

لكنه لم يمر وبقي متجمداً في مكانه ..كان هناك شيء ما زال يدور في رأسه ..فاقترب مرة أخرى وقال :
"ما زال الطريق مسدوداً يا بنات ..ألا يمكن أن تكملوا الحديث في مكان آخر؟"

والتفتن إليه جميعهن ، وقسنه بأعينهن ووزنّه بنظراتهن ثم ردت عليه إحداهن : هل عينّك أحدهم شرطي مرور ؟ طالما أفسحنا لك المجال لماذا لا تمر وتتركنا وشأننا؟

فرد عليها بشيء من الحزم : "أنا لا أتكلم من أجلي فقط، ولكن وقوفكم هنا فيه إيذاء للطريق والمارة".
ونظرت إليه نفس الفتاة بنظرات ازدراء وشيء من الخبث وقالت : ومنظرك هذا ألا يؤذي الطريق؟

ويبدو أنه كان يريد أن يتكلم ويرد ، لكنه تذكر شيئاً فسكت، ثم ابتسم و قال لها :
"ربما كان معك حق ، منظري هذا يؤذي الطريق ..ولا ينبغي أن أسير بهذه الهيئة في مثل هذا المكان! لكن بالمناسبة ألا تعتقدون أن منظركم أيضاً بهذه الأزياء والزينة قد يؤذي المارة ..صدقوني نحن الشباب أيضاً لدينا أحاسيس ونتأثر بما نرى!
ربما لم يخبركم أحد بذلك ، لكن هذه هي الحقيقة!"

لحظة من فضلكم ..ما هذه المقارنة الغبية ؟ هذه المقارنة غير عادلة أبداً ..
رغم أن كلا الأمرين يعبر عنه باعتباره حرية شخصية ، لكن هناك فارق كبير في النتيجة ، دعوني أوضح:
يمكن لمنظر شيء ما مهما كان مؤذياً أن يؤذي مشاعر إنسان للحظات، لكن يستطيع ببساطة أن يصرف نظره ، وسوف ينسى ما رأى بعد دقيقة أو اثنتين ، ولن يتذكر بعد ذلك أي شيء.

أما بالنسبة لمنظر المرأة عندما يؤذي مشاعر شاب ، فيمكننا أن نشبه الأمر بتيار كهربائي سعة 220 فولت قد لامس أعصابه بدون سابق إنذار..وخلال لحظة تنقلب أفكاره رأساً على عقب، وتعتمل في داخله عشرات المشاعر والأحاسيس المتناقضة، وربما سينسى بعد لحظات إلى أين كان سيذهب ، ومن أين أتى ، لكنه سيبقى يتذكر طوال اليوم شيئاً واحداً ..ذلك المنظر الذي رآه !
 
لكن شباب هذه الأيام ..وا أسفي عليهم ..كان عليهم أن يتأقلموا مع موجات التيار الكهربائي المتناوب ..الذي أصبح فيما بعد مستمراً ، حتى صارت لديهم حالات غريبة عجيبة من الهلوسة والذهول .. مساكين، لا يشعر بهم أحد 😦

ويبدو أن فتيات القصة قد سئمن من كلام صاحبنا وخشين أن يستطرد أكثر في حديثه وأفكاره ، فتركن له الطريق بطوله وعرضه وذهبن إلى مكان آخر ليكملن سمرهن.
أما هو فقد تابع طريقه مرة أخرى محاولاً استرجاع أفكاره التي ضاعت وتبعثرت..مشى خطوات كثيرة وما زالت رائحة العطر تتبعه..في حين انتابه خاطر عابر بأن قراره بالعودة كان سابقاً لأوانه!

Advertisements

إجراءات

Information

3 تعليقات

13 05 2010
محمد

يبدو معك حق يمكن تعودنا على هالشي وصار شي طبيعي ويعني فيك تعتبر أنو هيك نوع من البنات (مو الكل طبعا) صاروا من الثوابت وإذا مثلا بدنا نتمشى بشي شارع أو سوق مثلا معروف باستقباله لهيك بنات وغيرهن بنكتئب وكأنوا هني السوق أو الشارع (هههه )شي مضحك مبكي.

4 07 2010
friendstreet

أأسف حقاً على تلك الفتيات يظنون أنهم هم المميزون
ولا أحد سواهم ولكن مع الأسف لم يفكروا لأبعد بقليل من ماهم فيه
اليوم شاهدت شيئاً أضحكني فعلآ
فتاة يافعة قد خرجت في أبهى حلة..
وفي الخلف ترى مجموعة من الشباب وقد شُغلوا بها حقاً
حتى أن أحدهم قد وبخه معلمه لتباطؤه عن عمله فبدء بشتمها .. هههه
واقع غريب مضحك
محزنون هؤلآء الشباب على واقعهم

تدوينة رائعة.. دام إبداعك
^_^!

5 07 2010
هبة من الله

مضحك مبكي ..
يا للعار !!
قمة التخلف في صورة ” منتهى الرقي والتحرر”
واقع الشباب محزن جدا
والأكثر إيلاما هو واقع الفتيات
حقا أمر مبكي
أن تكون
الفتاة هي المسؤولة بالدرجة الأولى
عن واقعها وواقع الشاب المبكي
في مأدبة هي الطرف الخاسر فيها على الأغلب
حقا أبدعت يا مجد !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: