غفوة نصف قرن !

5 08 2010

وقع بين يدي البارحة كتاب "فصول اجتماعية" للشيخ علي الطنطاوي عليه رحمة الله ، كان موجوداً في مكان ما من غرفة المعيشة وعندما رأيته تفائلت وسررت كثيراً ; فأنا أعلم أنني وضعته بيدي في رف المكتبة منذ سنوات ، ووجوده في غرفة المعيشة يعني أن الكتاب انتقل من مكانه بقدرة قادر ..وهذا يشعرني بأن الثقافة تتحرك وتمشي في بيتنا ..هل عرفتم لماذا أنا متفائل!

عندما عدت أتصفح الكتاب وقفت عند مقالة قديمة كتبها المؤلف في عام 1961 أي قبل خمسين عام تقريباً من الآن، ولم أكن في جو مناسب للقرءاة لكني لم أشعر إلا وقد انسجمت مع المقالة مستمتعاً بأسلوب الشيخ البسيط وتسلسله المنطقي وحلوله المستمدة من الواقع وقصصه وتجاربه الشخصية ..هكذا حتى انتهت المقالة.

وقفت قليلاً مع نفسي أفكر : المشكلة التي تحدث عنها الشيخ قبل خمسين عاماً ما زالت موجودة اليوم على حالها لم تتغير ، والحلول التي جاء بها على بساطتها ومنطقيتها تبدو اليوم أغرب مما بدت عليه يوم كتبت المقالة ! بل أكثر من ذلك : الكثيرين اليوم – في موضع القرار تحديداً – لا يرون المشكلة أصلاً وربما كانت من المآثر التي يفخرون بها !

هل حزرتم عن ماذا كانت تتحدث المقالة ؟ إنه التعليم و الامتحانات يا سادة.

وما به نظام التعليم والامتحان ؟ ومم يشتكي ؟ منذ أيام فقط رأينا نتائج الإعدادية وقبلها نتائج الثانوية العامة ، والعلامات التامة ما شاء الله أكثر من أن تعد وتحصى !

حسناً إذا كان هذا هو المقياس فأحب أن أضرب مثالاً مشابهاً وهو أنه في السرك تستطيع الدببة أن تمشي ببراعة على دولاب ، والنمور تقفز دون خوف داخل حلقة لهب مشتعلة بالنار ..رغم أن ذلك يخالف طبيعتها .. 
لكننا لا نقول عنها أنها متعلمة ..دققو ..نقول أنها مدربة ..وبين المصطلحين فرق شاسع!
فلو حضرت إلى السيرك لأول مرة وشاهدتها وهي تقوم بهذه الحركات ستدهش وتصفق وتصفر وربما ملأ صياحك الجو ..لكنك لو حضرت كل جلسة من تدريبها الذي يستغرق عدة سنوات فسوف تجلس يوم العرض تتململ وتفكر : هذه الحيوانات الغبية لماذا لا تبتكر شيئاً جديداً ؟!

وبنفس الأسلوب – واعذروني على ذلك التشبيه – عندما نطالب المتعلم أن يعكف على كتابه ويحفظ ما بداخله -بفهم أو بدون فهم – ويردده عن ظهر قلب ليأتي يوم الامتحان ينقشه كما هو على ورقة الامتحان من دون أن يجتهد رأيه أو يحكم فيه عقله أو حتى يصوغه بأسلوبه ، ثم نهنئه إذا نجح وفعل بالضبط ما طُلِب منه ونعاقبه بالرسوب إذا بدل وغير ..ثم نسمي ذلك تعليماً فنحن مخطئون!

كان من جملة ما قاله الشيخ في مقالته أن الامتحانات – على زمانه – لم يكن فيها تقييم فعلي للدارس وإنما هي اختبار ذاكرة ليس أكثر ، وأن منهج التعليم – في تلك الأيام – كان يقتضي على الطالب حفظ أشياء ومعلومات يعجز أستاذه أن يأتي بها مجتمعة لا يخطئ فيها حرفاً ، ثم يتسائل الكاتب مستعجباً : لماذا يطالب المتعلم بحفظ الغث والسمين من المعلومات طالما أنها موجودة في المراجع يمكنه استخراجها متى شاء ؟

غفر الله للشيخ ، فلم تكن على زمانه شبكة الإنترنت ولا أجهزة المحمول ولا آيفون وآيباد ولا هذه التقنية الحديثة..فما عساه يقول لو كان بيننا الآن؟

هل أقول أن منهج التعليم والامتحان لم يتغير خلال الخمسين سنة الماضية ولم يتقدم قيد أنملة ، وأن الماضي الذي يتحدث عنه الشيخ هو واقع ما زلنا نعيشه الآن ؟ هل أصبح منهج التعليم هذا هو مسلّمة من المسلّمات وتشريع منزل لا يجوز المساس به ؟  ألم تظفر البلد خلال الخمسين سنة الماضية بمفكر أو باحث لديه رؤية جديدة تطور منهج التعليم والامتحان ؟

هل تعلمون أن أحد أسس النهضة التي حدثت في ماليزيا هو نظام تعليم يعرف باسم المدارس الذكية (SMART school) ؟ وأن النهضة العلمية في اليابان بدأت باستبدال نظام التعليم التقليدي بنظام يقوم على تنمية حاسة التعلم، وتطوير القدرة على البحث، وتعليم التفكير، وتنمية الإبداع والابتكار ؟

فهل ننتظر خمسين سنة أخرى كي ندرك أننا بحاجة إلى خطوة مماثلة إذا أردنا أن ننهض ونتطور ؟

وتستمر الأسئلة وأجدني عاجزاً عن الإجابة ومجبراً على الاعتقاد بأحد شيئين : نظرية المؤامرة ..أو نظرية الغباء!

Advertisements

إجراءات

Information

10 تعليقات

6 08 2010
the Success Ladder

Amazing post. I have bookmarked your site. I am looking forward to reading more

6 08 2010
نور

كل مابقرأ عن هل موضوع او بنحكي فيو بصيبني اكتئاب لأنو مو طالع بإيدنا شي
وأتوقع انو لو بتستنى قرن تاني كمان مارح يتغير شي
ورح نضل هيك.. إلا إذا تغير شي فوق
بس فعلا اللي بفائل :
انو الثقافة بلشت تتحرك ببيتنا خخ
مشكور جود

7 08 2010
Anas

شريك أنا حاليا” بآمن بالنظريتين سوا
لإنو ما بتئدر تضل متآمر على حدا أكتر من خمسين
سنة إلا إزا كان غبي للصميم

15 08 2010
majjood

the Success Ladder :
Thanks ..Your are welcome

نور :
إذا مو طالع بإيدنا شي ، عالأقل بنحكي ..ولو مع حالنا !

أنس :
شريك هاد اللي بدي أوصله من كل هالحكي 🙂

2 09 2010
CrEaTiVe

أحقاً قيل مثل هذا الكلام منذ 50 عاماً ..

كنت أتسائل قبل سنوات عندما كنت في المرحلة الثانوية ..

مافائدة أن أحفظ قوانين الضغط والمولالية والمولارية وقوانين الفيزياء والكيماء ما دمت ﻻ أعرف كيف أطبقها ؟!

لماذا يجب علي حفظ قوانين الجا والجتا بمشتقاتها التي ﻻ تنتهي .. ما دمت ﻻ أفهمها وﻻ أعرف كيف جاء الجا والجتا وما الحكمة من اشتقاقهما ..!!

كان يجب علي ان احفظ تلك القوانين .. وكان يجب علي أن أحفظ أسئلة الكتاب بأجوبتها حتى أتمكن من النجاح :/ ..

ماهذا العلم التي تعلمته ؟!

شكراً لك شيخنا الطنطاوي .. نتمى أن يستمع اليك احدهم :/ ..

3 09 2010
»][[ مما أعجبني ..~» | »][[.. C r E a T i V e ..]][«

[…] نصف قرن ! – مدونة مجود ( التدوينة الأصلية […]

22 09 2010
كمونة

تدوينة رائعة ومدونة أروع!
شكرا لك

18 11 2010
علاء الدين

السلام عليكم،
أنا متعلم لكنني لا أوافقك في الرأي فبمادة الرياضيات والكيمياء والفيزياء واللغات لا يوجد شيء يسمى “اختبار الذاكرة” !!

30 11 2010
Tamy

أعجبتني ،،
المشكلة كبيرة جدا والجميع يشتكي منها في العالم كله ،،
شاهدت قبل فترة فيديو يتحدث عن الموضوع وعن حل للمشكلة “العويصة” راح تساعدنا كثير اذا طبقناها على صغار العائلة على الأقل =]

14 09 2011
khdoug

فعلا الكتاب جدا رائع
واسلوب الشيخ الطنطاوي ممتع ولا يبعث بالملل ابدا
وأرى ما تراه من وجوب تغيير نمط التعليم لانه زاد سوءا لدرجة لاتحتمل ولا تبشر بالخير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: