حكايات الحرية

19 02 2011

لم أكن يوماً من المغرمين بالسياسة ولم تستهويني قبلاً نشرات الأخبار أو مقالات الصحف وحوارات الساسة ..بل العكس كان الاستماع إليها دائماً مدعاة لليأس ودافعاً للاكتئاب! هكذا كان الواقع قبل أن يتناهي إلى سمعي خبر مدينة اسمها "سيدي بوزيد" وقصة ساحة اسمها "ميدان التحرير".. فمنذ عرفت هذه البقاع أصبحتُ – والكثيرين من أمثالي – محبي أخبار وهواة سياسة; نستيقظ على "خبر عاجل" ونشرب قهوتنا مع عناوين الصحف ، ونقضي نهارناً نتابع التغطية المباشرة ونتشارك آخر المستجدات والآراء على "تويتر" و "فيسبوك" ، ثم ننام على توقعات وتحليلات وتكهنات لما سيكون عليه اليوم القادم.

حدث كل ذلك فجأة بشكل لم يتوقعه أحد ..لا أعرف كيف أصبح الحدث الإخباري ذا قيمة وكيف أصبح الشعب محور الأحداث ..لكن ما أعرفه أن حلماً جميلاً لاح في الأفق فآمن به الناس وصدقوه ونزلوا للشوارع يطلبونه، وأبوا أن يعودوا إلى بيوتهم بدونه مهما كانت العواقب.
The Tunisian Revolution

قالوا أن الحكاية بدأت في تونس في مدينة هادئة اسمها "سيدي بوزيد" ، شاب جامعي لم يجد وظيفة يكسب منها قوت يومه، فقبل بالواقع المرّ وساق عربة يبيع عليها الخضر والفواكه في شوارع المدينة ، لكن العربة لم تسر طويلاً حتى اعترضتها دورية شرطة صادرت بضاعتها وأهانت كرامة صاحبها عندما اعتدت شرطية عليه بالضرب، وذهب مقهوراً ليشتكي مظلمته فلم يجد إلا ظالماً آخر يهينه ويطرده ، وعندها اسودت الحياة في عينيه – وهي سوداء حقيقة – ورأى الموت أسهل إليه من حياة لا تشبه الحياة ، واشتعلت النار في داخله حتى أحرقت جسده كله وتجمهر الظلّام ينظرون إليه يحترق ويهزئون، ثم زعموا أنه أقدم على حرق نفسه!

مات "محمد البوعزيزي" بعدها بأيام متأثرة بجراحه ، لكن النار التي أشعلها في جسده سرت في أحياء المدينة وأزقتها واشتعلت بها الساحات والشوارع من "المكناسي" إلى "الرقاب" إلى "سيدي علي" حتى "القيروان" و"صفاقس"..انتفضت تونس كلها ثورة على الطغيان والجوع والفساد، ولم تنطفئ نيرانها حتى سقط النظام الحاكم ورحل الطاغية إلى غير رجعة.
محمد البوعزيزي - بريشة كارلوس لطوف

وسرت أخبار الثورة العظيمة في كل بلد وفي كل بيت، تحملها عربة "البوعزيزي" تحكي للناس حكاية بسطة الخضار التي أزالت ملك الطاغية ، وتغني للناس قصيدة الشعب الذي أراد الحياة.

وتوقفت العربة في مصر ..فذكرتهم قصة "البوعزيزي" بقصة أخرى لم يزل جرحها ندياً : "خالد سعيد" الشاب الاسكندراني الهادئ ، قالوا أنه كان من أطيب الناس خُلقاً وألطفهم مظهراً قبل أن تعتدي عليه يد عناصر الأمن وتقتله بوحشية على باب مقهى انترنت كان يعتاد الذهاب إليه.. لم تكن قضية خالد الأولى من نوعها لكن الطريقة التي تعامل النظام معها كانت الأبشع .. فلم يعترف جهاز الأمن بجريمته بل أنكر أي علاقة له بالحادثة ثم لم يكتف بذلك فعمد إلى تشويه صورة خالد وتلفيق الأكاذيب عنه وتزييف قصة موته..وصدرت الصحف في اليوم التالي لتقول : شاب الاسكندرية مات مخنوقاً بلفافة بانجو!

وعندما شاع نبأ انتصار ثورة تونس انتعشت روح الشهيد وراحت تنادي في ضمائر الشباب تحثهم على طلب حقوقهم وحرياتهم والثأر ممن ظلموه واستحلوا دمه، وترددت صيحة "كلنا خالد سعيد" في جميع أنحاء مصر مطالبة في بدايتها بالإصلاح وإقامة العدل وإعادة الحقوق. لكن مع كل قطرة دم كانت تسيل وكل شهيد يسقط في المظاهرات كانت تلك المطالب تكبر ويزداد الأصرار عليها حتى لم تعد الثورة تقبل بأقل من سقوط النظام ومحاكمة العصابة التي سرقت وأفسدت، ومع كل يوم يمر على المظاهرات كان الشعب يزداد إصراراً وقوة ويعلو صوته أكثر وأكثر من ذي قبل.

صيحة خالد سعيد  - بريشة كارلوس لطوف"من أين أتى هؤلاء الناس؟ وكيف توحدت كلمتهم ؟؟" هذا السؤال الذي كان يشغل بال مبارك يوم سقوطه، لكنه لم يستطع أن يعثر له على جواب! 
الحرية يا مبارك ..الحرية هي التي أتت بهم ..وحبهم لبلدهم هو الذي جمعهم ..وظلمك هو الذي أطاح بك كما أطاح بملك من قبلك ولك في فرعون أسوة.

 

قالوا أن عربة البوعزيزي ما زالت تدور ..وأن حكايات الحرية ما زالت تكتب ..ولحن الحياة سيبقى يتردد صداه حيثما يوجد جائع أو مظلوم ..وأن الطغاة كأحجار الدومينو إذا سقط أولها تداعى آخرها للسقوط..وأن الثورة سوف تتكلم كل اللهجات وتعبر كل الأحياء .. وسيبقى ثمن الحرية غالٍ لا يقدر عليه إلا شعبٌ أراد الحياة.

Advertisements

إجراءات

Information

3 تعليقات

20 02 2011
عمار

اتمنى الخير لكل الوطن العربى .. و لا تتكاسل عن التدوين ، الأمر لا يحتاج ثورتين لتدون 🙂 .

20 02 2011
majjood

معك حق يا عمار ..
مشكلتي أني أفكر كثيراً في جدوى ما أكتب وهذا ما يؤخرني..وغالباً ما ينتهي الأمر بأن اكتب فقط حتى لا أنسى!

11 03 2011
شريف

اجد نفسي متفاجئا من اسلوب الطرح ومن نضج التفكير وكاني اسمعه لأول مره . يتملكني الشعور بالفخر فلا يسعني إلا ان اقول بارك الله فيك واشد على يديك واشجعك على طرح المزيد من افكارك والله الموفق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: