الرواية الرسمية في الميزان

10 04 2011

تشهد بلدنا هذه الأيام أحداث متوترة متسارعة :مظاهرات وأحداث عنف في عدة مدن سورية ولا يمضي يوم دون أن نسمع بسقوط عدد من الشهداء وعشرات الجرحى واعتقالات بالعشرات.

الكثيرون ما زالو ضائعين لا يعرفون ما يحصل، معظمهم ليس لهم تماس مباشر مع الأحداث وأقصى ما يستطيعون الوصول إليه هو شاشة التلفاز وصفحة الإنترنت.

وفي ظل غياب التغطية الإعلامية الحية للأحداث من وكالات الأنباء والقنوات الأخبارية العالمية تكاد تكون الساحة الإعلامية خالية أمام وسائل الإعلام الرسمي على اختلاف أشكالها لتسرح وتمرح كيفما يحلو لها فتنشر الخبر الذي يناسبها بالطريقة التي تناسبها، ولا تكتفي بذلك بل تتعداه إلى التشكيك في أي رواية أخرى للخبر محاولة إثبات عدم مصداقيتها وزيفها.

لست أقصد من هذا الموضوع إثبات مصداقية جهة من عدمها ولكنني أريد أن نفكر قليلاً فيما نسمع، وأن نضع الرواية الرسمية في الميزان قبل أن نأخذ عنها أي خبر.
A boy hides behind the Syrian flag held by an actvist at a rally in support of Arab anti-goverment revolutions on Saturday afternoon outside the Federal Building on Wilshire Blvd.

مصدر ثقة!
بدايةً يروادني سؤال : متى كانت الرواية الرسمية مصدر ثقة ؟
يعني كيف حصل ذلك؟ أريدكم أن تعودوا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء ..متى كانت الأخبار الموثقة تأتي من الفضائية السورية ومتى كانت المقالات الجريئة تنشرها صحيفة البعث؟ أنا منذ وعيت على هذه الدنيا أعلم بأن إعلامنا السوري آخر من يعلم، نسمع بالخبر المحلي من "الجزيرة" و"العربية" و BBC وغيرها ونستمع لملابساته ونشاهد تحليلاته والنقاشات حوله ثم بعد أيام نقرأه في الإعلام الرسمي على أنه خبر عاجل ..هذا إذا لم يتجاهله إعلامنا كلياً وينشغل عنه بتوافه الأخبار!

هل يحتاج الأمر لشواهد؟ لست محللاً إعلامياً لأسرد الأمثلة ولكني إن نسيت كل شيء فلن أنسى قصة النفايات النووية التي دُفنت في صحراء البادية السورية منذ ثمانينات القرن الماضي وبقيت مخفية تماماً عن الإعلام المحلي -رغم كثرة الشائعات التي تحدثت عنها وعن أضرارها التي بدأت تظهر – بقيت مخفية ومتكتم عليها تماماً حتى عام 2005 في اليوم التالي لإعلان "خدام" الخائن انشقاقه عن النظام بعد أن كان أحد أركانه ..و"فجأة" اكتشف الإعلام السوري قصة النفايات التي دفنت في الثمانينات وانتدب مجلس الشعب ليتحدث عن فساد "خدام" ونفاياته و"فجأة" نكتشف أن المجلس كله يعلم بفساد هذا المجرم وصفقاته القذرة! لكنهم سكتوا عندما لم يطلب منهم وتحدثوا عندما جائتهم الأوامر!
الإعلام الذي كان متستراً على مثل هذه الجريمة كل تلك السنوات ..هل يمتلك أي مصداقية بنظركم؟

 

عصابات مسلحة :
هذا المصطلح الذي استخدم بكثرة في روايات الإعلام الرسمي ما مدى مصداقيته؟
كلما سمعنا عن حادثة إطلاق نار وقعت في إحدى المدن السورية وسقط على أثرها قتلى جاءتنا الرواية الرسمية لتقول: كان هناك "عصابات مسلحة" تحمل أسلحة نارية وذخيرة حية وتتجول في الطرقات وتطلق النار على المارة بشكل عشوائي!
ليست عصابة واحدة بل عصابات ..أعدادهم كبيرة لدرجة أن عناصر الأمن بكل عددهم وعتادهم لم يستطيعوا القبض عليهم وتخليص الناس من شرهم.. والعجيب في الأمر أنهم لا يتمركزون في منطقة واحدة بل منتشرون في كل وطننا الحبيب من درعا إلى دوما إلى اللاذقية إلى بانياس..والغريب أنهم لا يتعرضون إلا للمتظاهرين حصراً وبعض رجال الشرطة الأبرياء ..أما مسيرات الوفاء والتأييد فلا تتعرض لها العصابات المسلحة على الإطلاق!
لنترك إشارات التعجب تلك ولنتسائل بعقلانية : من بإمكانه أن يحمل بندقية صيد في هذا البلد دون أن تلاحقه دوريات الشرطة وعناصر الأمن؟ ومن يجرؤ أن يشهر سلاحاً في وجه إنسان دون أن يكون تابعاً لأحد المسؤولين في الدولة أو الجيش؟ ومن منا لم يسمع من معارفه في الساحل عن عصابات "الشبيحة" التي تعمل لصالح فلان أو علان من الأسرة الحاكمة؟ فلماذا إذاً نتجاهل هذه الحقائق ونردد كالببغاوات رواية "العصابات المسلحة" المجهولة ؟   
بالمناسبة لم أتطرق إلى مقاطع الفيديو التي بثها التلفزيون السوري عن "العصابات المسلحة" لأنها غبية جداً لدرجة السذاجة المطلقة!

 

مندسين :
مصطلح "المندسون" كما تبين لي حسب الرواية الرسمية هم فئة مدفوعة من الخارج مهمتها الانسلال بين تجمعات الناس والهتاف بهتافات معارضة والتحريض على القيام بأعمال شغب وعنف وتخريب المنشئات وإثارة الفوضى.
حسناً ..أصدقكم القول أني من كثرة ما سمعت هذا المصطلح على ألسنة المتحدثين باسم الحكومة صرت أتخيل أن الشعب السوري لا يعدو عن كونه قطيع أغنام يكفي وجود شخص أو اثنان في وسطه ليقوده ويحركه كما يشاء ..أليست هذه إهانة لعقول الناس واستخفاف بوعيهم؟ ثم إذا كانت مطالب الشعب التي يهتف بها مشروعة كما قررت الحكومة فلماذا يربطون كل تظاهرة شعبية بوجود المندسين؟ هل يحتاج الشعب لمندسين لكي يتظاهر ويطالب بحقوقه!
قد يقول البعض ماذا عن إحراق بعض المنشئات؟ صحيح، سمعنا عن مثل هذه الأعمال ولكن جميعنا يعلم أن العنف يجر إلى العنف، فعندما يطلق الرصاص الحي على المتظاهرين بشكل فظيع ويسقط عشرات الشهداء ونحن ساكتون لا يحق لنا أن ننكر على الناس حرق مبنى الشرطة أو الحزب أو إسقاط تمثال لمن يعتقد الناس أنه السبب وراء الظلم الذي يتعرضون له ..هذا في أبعد التقديرات يمكن أن يسمى ردة فعل غاضبة ولا يمكن أن يسمى بأعمال تخريب.

 

مؤامرة :
مصطلح ليس بجديد سمعناه كثيراً قبل الآن في ثورة تونس وبعدها مصر وبعدها ليبيا واليمن ومؤخراً وصل إلى الساحة السورية وتناولته الرواية الرسمية كموضوع جديد وغاية في الخطورة لدرجة أنه يمكن أن يفسر كل الأحداث الجارية!
لا يخفى على عاقل متابع للأحداث الأخيرة في الساحة العربية أن ما حدث ويحدث في سوريا هو نتيجة موجة احتجاجات شعبية انطلقت شعلتها الأولى في تونس واستطاعت إسقاط نظام "زين العابدين بن علي" ثم انتقلت إلى مصر وبقية البلاد العربية التي تعاني من نظام أمني قمعي..إذاً ليست سوريا أول بلد تحدث فيها مظاهرات مطالبة بالحرية! وبالتالي لو صدقت نظرية المؤامرة لكانت ثورات تونس ومصر هي الأخرى نتيجة مؤامرات. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا اعترف النظام السوري باحتجاجات تونس ومصر على أنها "ثورات" في حين يصر على أن ما يحدث في سوريا هو مؤامرة ؟ هل قامت الثورات في تونس ومصر إلا بسبب الظلم والفساد وقمع الحريات والقبضة الأمنية؟ وأليست كل هذه المفاسد موجودة في بلدنا وربما بدرجات أكبر من باقي البلدان؟ لماذا إذاً نتمسك برواية المؤامرة وننسى أن شعبنا يحق له أن يطالب بحريته وحقوقه مثل كل الشعوب الأخرى؟

 

فتنة :
هذا المصطلح سمعناه على ألسنة بعض العلماء -للأسف- حيث اعتبروا أن ما يحدث الآن هو فتنة عظيمة وعلى الناس أن يتجنبوها ويلتجئوا إلى الله بانتظار أن تنكشف الحقيقة.
نعم هناك فتنة ولكنها فتنة العلماء وليس فتنة العوام ..فتنة السكوت عن الحق وممالئة السلطان ، الفتنة لا تحدث بخروج الناس سلمياً للمطالبة بحقوق وإصلاحات، هذه ليست فتنة هذا واجب وهذا حق ..ولكن الفتنة أن نسكت على من أطلق الرصاص الحي على هؤلاء المتظاهرين ..الفتنة أن نسكت على اعتقال أطفال المدارس وتعذيبهم لأنهم كتبوا على جدران المدرسة .. الفتنة أن نسكت على اختطاف طفلة واتهامها بالتجسس لأنها كتبت خواطرها في مدونة ..الفتنة أن نسكت عندما نرى الشباب يُضربون بالهراوات في حرم المسجد الأموي لأنهم هتفوا بالحرية..الفتنة هي أن يخرج العالم لينتقد المظلوم ويسكت عن الظالم وربما يثني عليه..هذه أيضاً فتنة فلماذا لا يتحدث عنها أحد؟

 

من لا يخاف الحقيقة! :
برغم موقف قناة "الجزيرة" الخجول مما يحدث في سوريا لدرجة أنها حتى الآن لم تنقل صورة واحدة بكاميرتها من موقع الأحداث باستثناء مسيرات التأييد والولاء، إلا أنها قد تعطينا أحياناً لسعات معنوية تحرك عقولنا ومداركنا نحو الحقيقة كتلك العبارة التي تقول " من لا يخاف الحقيقة.. لا يمنع العالم أن يراها" ..نعم من لا يخاف الحقيقة لا يمنع وكالات الأنباء من دخول الحدث ورصد ما يجري بكاميراتها وبعين مراسليها ..ومن لا يخاف الحقيقة لا يعتقل الصحفيين ويحتجز المراسلين ويضيق عليهم .. ومن لا يخاف الحقيقة لا يعتقل المدونين وناشطي حقوق الإنسان ويزج بهم في السجون..ومن  لا يخاف الحقيقة لا يعتقل المارة فقط لأنهم رفعوا جوالاتهم ليصوروا ما يرون .. نعم صدقت الجزيرة : من لا يخاف الحقيقة لا يمنع العالم أن يراها.

 

الإعلام الرسمي متهم!:
مشكلة عموم شعبنا أنه لم يعيشوا أحداث الثورة في تونس ومصر وليبيا كما عشناها نحن الشباب يوماً بيوم وساعة بساعة ..فنحن تابعنا كيف تعامل الإعلام الرسمي في كل تلك الدول مع أحداث الثورة ،ونعرف جيداً كيف مارس الأعلام الرسمي كل أنواع التلفيق والكذب والخداع الإعلامي ليثبت للناس أن ما يحدث هو أحداث شغب ومؤامرة وما إلى ذلك مستخدماً كل الوسائل الممكنة..حتى أصبحت كلمة" الإعلام الرسمي" قرينة ومرادفة لعدم المصداقية..هل أضرب لكم مثالاً حياً ؟ القذافي يعتبر اليوم أحد أكثر طغاة التاريخ إجراماً ووحشية ودموية ..هل يختلف عاقلان على ذلك؟ حسناً لو فتحنا على قناة الجماهيرية الليبية الآن ماذا سنسمع وماذا سنشاهد يا ترى؟
فالحقيقة المنطقية اليوم تقول أن الإعلام الرسمي هو أداة بيد النظام الحاكم وهو يستخدمها بأي شكل ليحافظ على بقاءه واستمرار سلطته بغض النظر عن الوسيلة..فالإعلام الرسمي اليوم متهم بمصداقيته قبل أن يكون بريئاً..هذا عدا عن أنه عودنا التضليل والتكتيم الإعلامي في أيام الرخاء فكيف ننتظر منه أن يقول الحقيقة في أيام الشدة ؟!

Advertisements

إجراءات

Information

One response

14 04 2011
من وحي إعلامنا الرسمي « مدونة مجّوود | Majjood Blog

[…] على التدوينة السابقة ومن وحي إعلامنا السوري ورواياته الرسمية الخارقة […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




%d مدونون معجبون بهذه: